المرأة اليمنية بين وعيها وواقعها

 

حين يصل المجتمع إلى درجة من الوعي، تصبح مسألة مشاركة المرأة وحقوقها من القضايا الأساسية، ويعزو الكثيرين سبب أن المجتمع لا يتقدم للأمام لأن تقسيم الأدوار بين الرجل والمرأة تسير في طريق متعرجة وغير واضحة المعالم، فالأدوار المتبادلة والمتكاملة تجعل المجتمع يتقدم بخطوات ثابتة للأمام، وعندما يختل التوازن بينهما يتحول الأمر إلى صراع ذكوري أنثوي بحت!

 

هل آن الآوان أن نفهم مسألة واقع المرأة في اليمن؟ فواقع المرأة أصبح أمرا ملحا ً لما تعانيه من عوائق ومشاكل متعددة ومتشعبة وضعت ما بينها وبين حقوقها جبالا من الصخور! ومنعتها من أن تكون فاعلة ومؤثرة في المجتمع. وما نراه ونشاهده ما هي إلا نماذج لا نستطيع التعميم عليها. هذه العوائق تجعل المرأة غير قادرة على الموائمة بين ثقافتها التقليدية وبين ثقافة العصر والتعليم والوعي الذي وصلت له خلال السنوات الماضية.

 

بقلم/ بلال قايد عمر

فواقع المجتمع اليمني ” المتخبط” يعكس طبيعة المرأة ونشأتها ومحاولتها الخروج من شرنقتها بأقل الخسائر النفسية والمجتمعية فهي تعيش في مجتمع يجبرها في كثير من الأحيان أن تكون خسائر مقاومتها كبيرة جداً لتصل حد النبذ من الأسرة والمجتمع. هي كذلك إدانة للمرأة لأنها لم تستطع أن تؤائم بين ثقافة المجتمع البطيئة التطور وبين تطور وعيها الذاتي بنفسها وارتباطها بالعالم الذي أصبح قرية صغيرة بوجود وسائل العصر الحديث.

 

هل هي سجينة الصراع ما بين التقليد والتجديد بين “المحافظة والحداثة” وهل بقيت ذاتها رهينة لطبيعة العلاقة الأسرية واستقلالها المادي “الإقتصادي” في اختزال لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة! ما الذي يحول بيننا وبين فهم واقعنا الجديد لواقع العلاقة بين الرجل والمرأة القائمة بينهما في مختلف مجالات الحياة وحتى على مستوى الأسرة، ما هو المطلوب حتى ندرك أو أن نغير واقع المرأة بناءً على فهمنا وإدراكنا للواقع الجديد، “ربما هي الذكورية المسيطرة” وأن نسعى نحو علاقة جديدة ربما تكون منطلقاً لتعميق الوعي المطلوب لتحقيق التوازن بين الرجل والمرأة في حياتنا اليومية بما يتواءم مع التغيير التدريجي الإيجابي للعادات والتقاليد.

 

يرى الكثير من المهتمين بشأن تطور المجتمع اليمني أن الرجل فيه لديه استعداد فطري في أن تكون المرأة على قدم المساواة معه، بينما الواقع يقول عكس ذلك فرغم مرور ستين سنة منذ أن تحرر اليمن وانطلق ليجاري العصر ما زالت المرأة فيه تعاني من تسلط الصغير قبل الكبير “مع عدم مقدرة الكثير من النساء المتعلمات في أن تميل الكفة لصالحها بهدوء وبدون مواجهة”

 

على الرغم من الكثير من الإنجازات التي تحققت في اختراق الواقع السلبي للمرأة وتحويل الجزء الاكبر منها إلى ايجابيات تضاف لفائدتها، إلا أنها لم تصل بعد إلى تغيير جوهر المجتمع ليتقبل دمجها الكامل في مختلف بُنى المجتمع، فالمجتمع يعاني حاليا من خلل كبير في تركيبة بنيته الإجتماعية بسبب الحرب التي قضت على النسبة المتقاربة بين عدد الذكور والإناث بسبب طبيعة الحرب نفسها وأن النسبة الاكثر موتاً هي الذكور وهو ما يخل بالتوازن الطبيعي. في الوقت الذي يشيد فيه كثير من الناس بدور المرأة في المجالس الرسمية العامة والمؤتمرات وغيرها من الفعاليات، يمارس عكس الدور على المستوى الشعبي فالمرأة العاملة تعاني الكثير من الإحتقار والمضايقات في عملها أو على مستوى الشارع العام.

 

ما زال المجتمع يحملها كل الأخطاء بدون أي اعتبار للأسباب المحتملة التي جعلتها تلجأ لترك منزلها والنزول للشارع أو حتى للعمل كخادمة! فقائمة الاتهام جاهزة دائماً، وفي رأيي أن المجتمع لم يستطع حتى الآن أن يوفق بين فكره الجديد بسبب لغة العصر من وسائل اتصال اجتماعي ووسائل ترفيه من سينما وتلفزيون وبين طريقة ممارسة اضطهاد المرأة والتمسك بالعادات والتقاليد وهو يعلم أن فيها الكثير من المغالطات وتركيز السلطة في يد الرجل بدون وجه حق.

 

تتصدر مسألة المساواة وحقوق المرأة أولويات العمل النسوي في اليمن، والتأكيد على مشاركة المرأة في التنمية بكافة مجالاتها” اجتماعية، اقتصادية، سياسية” من أجل التأثير والتغيير في قرارات المجتمع المتمثلة بالنخبة “الذكورية”.

وتحاول رائدات العمل النسوي أن تؤثر في الرأي العام لتهيئة واقع مختلف ومغاير يقبل مشاركة المرأة الحقيقية في تطور المجتمع اليمني، وهوما يقودنا إلى التطرق لدورها في فرض حقوقها وإفساح المجال حتى يتقبل المجتمع كافة أدوارها وصعودها لمراكز الحكم العليا وأن يتقبلها بل وأن يسعى لذلك إيماناً منه أنه الطريق الصحيح لتغيير هذا الواقع المليء بالسواد.

 

ولكن ستظل المرأة تحت رزح الواقع وثقافة المجتمع اليمني وتسيطر عليها قيم تقليدية لها من الجذور العميقة ما يجعلها متغلغلة في الوعي الجمعي. وسيظل واقعا تحت شلل ربما يكون جزئي في طريقة التفكير ومحاولة التغيير، ما لم تعيد توجيه مجهودها لخلخلة البنية القائمة على الإنفصام بين الحاضر والماضي ومحاولة ردم الهوة بينهما.

 

من خلال الكثير من الابحاث المتعلقة بالمرأة في اليمن وخصوصا المرأة القيادية والمرأة الناجحة، نجد أن المرأة واجهت الكثير من الصعوبات داخل الأسرة أولا ومن البيئة المحيطة بها ثانيا والمجتمع ثالثاً.

 

تلخص هذه البحوث والتجارب وضع المرأة في اليمن من خلال النظرة السلبية التي يحملها الأب أولا والأخ ثانيا والأقرباء ثالثا. الأمر الذي يجعل المرأة مجبرة أن “تحارب” على أكثر من مستوى في محاولة لأثبات ذاتها مما يجعلها تقع في الأخطاء، وقوعها في الأخطاء غير المقصودة هو ما ينتظره الأهل والمجتمع حتى يصوبوا سهامهم لها ويعيدوا تكرار نفس العبارة أن “المرأة ناقصة عقل ودين” رغم أنهم لا يدركون المعنى لهكذا عبارة.

 

ظهرت في الآونة الأخيرة الكثير من المبادرات والمؤسسات النسوية في محاولة لاختراق المركز الذكوري في سلسلة المبادرات لإنهاء الحرب من خلال تكوين فريقين أساسين “التوافق النسوي” و”التضامن النسوي” وعدة فرق فرعية منها في محاولة لاستثمار الجهد الجمعي للمرأة للضغط على المجتمع المحلي والدولي لإنهاء الحرب ومناقشة وضع المرأة خلال الحرب، وكذلك مناقشة الأضرار التي تعرضت لها النفسية والجسدية والإقتصادية، وقبل ذلك كانت المرأة تقود أهم الفرق التي تكونت من خلال مؤتمر الحوار الوطني واستطاعت أن تقود اختراقات مهمة لصالحها في بنية الحوار الوطني رغم المعارضة الشرسة التي تعرضت لها إلا انها استطاعت ان تنجح في مهمتها.

 

خلاصة الواقع

 

على المرأة إما أن ترضى بواقعها وبمجتمعها التقليدي الذكوري، رضا يعانقه السخط المقيت. فنراها متنمرة متمردة على كل شيء ومن كل شيء.

 

أو أن تطلق العنان لسقف احلامها لتسابق بذلك سنوات عمرها التي مضت في الاستسلام للتقليد، وكأنها تعاقب  تلك السنوات بالانفتاح اللا معقول واللا مقبول.

 

هو وحده المجتمع من وضعها بين هذين الخيارين لعدم مقدرته وبالأصح “رغبته” على التخلي قليلاً من سلطته مما جعلها تحت خيارين أحلاهما مُر.

مجلة إلمقه، العدد (8)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *