إمارة بعدان وحاكمها المطلق وحسابات خارج السياقات الوطنية.. من المستفيد من نقل سوق طبيع؟

 

 

بعدان – نشوان النظاري

 

كانت وحتى عهد قريب مديرية بعدان أنموذجا للنمط الإداري الناجح، والتعامل المدني الراقي، وصورة حضارية لمديرية تتسم بتقديس العلم والمشاركة الحية في صنع القرار والتحولات الوطنية العظيمة، بيد أنها مؤخرا وبغمضة عين انفلتت صوب النشاز، والدوران خارج الصندوق والنظام العام بالمحافظة.

 

زرت اليوم، ومجموعة من الزملاء الصحفيين والناشطين أفياء هذه المديرية الأشد رونقا والأبهى جمالاً والغنية تاريخاً وحضارة، وكان الهدف من الزيارة التحقق مما تم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً حول سوق القات، في منطقة الحصوصة “سوق طبيع الشهير”، والجدل القائم حوله، وانحياز بعض أطراف في السلطة المحلية بالمديرية نحو أطراف معينة في إطار الصفقات الغير معلنة.

 

يقول أحد مالكي السوق المهجور الحاج محمد بن محمد أبو الرجال: “إنّ مجموعة من أسرتهم (بيت أبو الرجال) انشأوا قبل نحو (17) عاماً، سوقاً للقات في منطقة الحصوصة “طبيع” على أرض من أملاكهم وقد كلفهم ذلك الكثير، إذ أنشأوا السوق والمنطقة كانت ما تزال خالية ومقفرة، فقاموا بالتضحية في سبيل إنعاش السوق، حيث أعفوا بائعي القات من أية إيجارات ولمدة ثمان سنوات، وقاموا بشق طريق من أملاكهم تقدر بما يقرب (20) قصبة، سعر القصبة الواحدة بملايين الريالات”.

 

ويضيف أبو الرجال: “أن المنطقة شهدت رواجاً وانتعاشاً، وانطلق السوق تدريجيا مرتكزاً على ما يتمتع به من موقع مميز، ومناسب للبائعين والمتسوقين”.

 

ويكمل الحاج محمد: “ومع حلول كورونا طُلِب منا توسعة السوق وتم ذلك، وخسرنا في تجهيزه عدة ملايين، لأن التوسعة فرضت علينا عمل شاق، لا سيما والمنطقة صخرية، وفي تلك الأثناء تم نقل السوق مؤقتا إلى مكان آخر حتى يتم إكمال التوسعة ليعود السوق للعمل من جديد”.

 

ويواصل حديثه: “بعد أن أكملنا توسعة السوق، طالبنا بعودة السوق إلى مكانه السابق، لكننا فوجئنا بمدير ناحية بعدان يقف بقوة ضد عودة السوق والأسباب غامضة، مع العلم أن المكان الذي نقل إليه السوق سيئ وبالقرب من محطة مشتقات نفطية، ومساحته صغيرة حيث لا تتعدى (15) قصبة، ناهيك عن عدم وجود مواقف للسيارات بعكس السوق الرئيسي”.

 

واختتم حديثه: “وفيما يخص أزمة الازدحام، فلا ننكر إهمال المشرف السابق للسوق بعملية تنظيم المرور وهذا ما نحاول تلافيه في الفترة القادمة، ونحن قد أغلقنا واجهة السوق المقابلة للشارع العام بالشبك، والسوق لديه مداخل متعددة ومن مختلف الاتجاهات وإلى جانبه مسجد، وحمامات، وقد نفذنا توسعة كبيرة، والسوق قابل للتطوير والتحديث، ولا ندري من المستفيد من تحويل سوق عمره نصف قرن إلى مكان مهجور”.

 

 

ويرى محمود قاسم، صاحب محل صالون حلاقة، أن نقل السوق قد تسبب بخسائر فادحة لكافة المحلات المحاذية للسوق حيث توقف العمل والحركة تماما.

 

ويساند علي المرادي، صاحب محل مشروبات في نفس المكان، كلام محمود، وأضاف أن القرار المجحف قد أضر بجميع أصحاب المحلات وباتوا عاجزين عن تسديد الإيجارات، مطالباً الجهات المختصة بإعادة السوق الذي تجاوز عمره عشرون عاماً.

 

مراد عبدالله، صاحب محل بوفيه، شكا من تحمل أصحاب المحلات المجاورة للسوق القديم للإيجار بدون فائدة، مؤكداً أن ما حدث قطع أرزاق العباد.

 

ويؤكد أحد بائعي القات، فضل عدم ذكر اسمه، خشية الوقوع في عواقب لا حصر لها، أن الحركة التجارية في السوق الجديد تنتهي تماما بعد العصر، متهكماً على هذا الوضع بعبارة “بعد العصر ما في سوى الكلاب” بينما في السوق السابق الحركة لا تتوقف من الساعة السابعة صباحاً وحتى التاسعة مساءً.

 

 

ويقول بائع قات آخر: “أخذوا الاكشاك ليلاً وأنشأوا سوقاً،سفري، عبارة عن هنجر تابع لسرويس (محل لغسل السيارات)، وكل يوم هناك تزداد ديوننا، إذ قل الدخل وذهب جميع الزبائن الذين جمعتهم طيلة عشرين سنة في السوق القديم، وإذا حاول أحد بائعي القات الخروج من السوق بعد أن أرهقه كساد سلعته يتم ملاحقته وإرجاعه بالقوة من قبل مجموعة مسلحة تابعة للسوق الجديد”.

 

ويشير منصور علي، بائع قات، أن: “ما حدث لهم مؤامرة كبيرة، فبعد أن كان قرار توقف السوق لأسباب جائحة كورونا، تحول الأمر إلى صراع مصالح، وبات السوق الذي كان يقدم حتى المساعدات لأي مقوت يتعرض للمرض، وشُرِدت العديد من الأسر جراء إغلاق السوق، وتحول من يعيلها إلى سوق آخر، الحركة فيه بطيئة للغاية، وباختصار تحرم عشرات الأسر من أجل شخص أو شخصين”.

 

وأفاد خيري مصلح، صاحب محل جوالات، أن: “العمل في محله انتهى تماما بعد نقل السوق، معربا عن غضبه من تلك الإجراءات التي لا تراعي أحداً، لا سيما والوضع الاقتصادي صعب جراء الحرب”.

 

ويدلي أحد بائعي القات، وهو خريج جامعي، مقترحاً قال فيه: “بعدان ليست اقطاعية لأحد، والمسألة لا تحتاج كل هذا الضجيج، فلدينا الآن سوقين، وللباعة أن يختاروا المكان الذي يناسبهم دون استخدام القوة والعنف من قبل السلطات المحلية، أو المسلحين التابعين للسوق الحديد”.

 

 

وأثناء عبورنا للسوق الجديد بدا لنا الأمر مختلفاً، وهو أن السوق الجديد ضيق لوقوعه في مساحة صغيرة ومكتظ للغاية، ولا يميزه سوى بعده عن الخط الرئيس الذي يتسبب بالازدحام، كما لاحظنا كثافة ظاهرة لحمل السلاح في السوق.

 

وتفيد مذكرة رسمية صادرة من وكيل المحافظة للشؤون الفنية برقم (181) في شهر أغسطس المنصرم، بأنه يتم إعادة فتح السوق القديم وضبط أي معترض أو متهرب، منوهاً بأن ذلك وفق توجيهات صريحة من محافظ المحافظة، ومرفق كذلك بوثيقة موقعة من العشرات من بائعي القات تطالب بعودة السوق إلى مقره السابق.

 

 

 

وأكد تقرير ميداني صادر من مكتب وكيل المحافظة للشؤون الفنية بعد القيام بالنزول الميداني للجنة مختصة بهذا الشأن، أن السوق المستحدث يقع في مساحة صغيرة، وليس فيه طريق، وأن السوق بلا دراسة جدوى حيث يقع ضمن بؤرة لتجمع السيول، وبالمقابل فإن التقرير ذاته أكد أن مساحة السوق القديم مناسبة، ولديه أماكن لوقوف السيارات، وأوصى في نهايته على ضرورة عودة السوق القديم للعمل.

 

 

 

إضافة إلى مذكرة رسمية برقم (252-2020) صادرة عن ديوان عام المحافظة وممهورة بتوقيع المحافظ ووكيل المحافظة للشؤون الفنية لمدير أمن المحافظةـ تم فيها التوجيه الصريح للمدير بتنفيذ التوجيهات السابقة وإعادة بائعي القات إلى السوق القديم، كون السوق الجديد غير مؤهل، وبالتالي يتم إغلاقه، حسب المذكرة نفسها، وهذا ما تم فعلا، حيث وجه مدير أمن المحافظة توجيها صريحاً بمذكرة رسمية صادرة عن إدارة أمن المحافظة برقم (3742-2020) الى أمن مديرية بعدان بتنفيذ التوجيهات السابقة وإعادة الأمور كما كانت قبل وباء كورونا.

 

 

 

من جانبه حاول مدير أمن بعدان تنفيذ تلك التوجيهات لكن مدير الناحية وقف دون ذلك، وهذا مثبت في مذكرة رسمية صادرة عن أمن المديرية برقم (203)، تفيد برفض مدير الناحية توجيهات قيادة المحافظة، الأمر الذي يفتح الباب للعديد من التساؤلات أبرزها، من المستفيد مما يحدث؟ وكيف يقف مسؤول محلي في وجه قيادة المحافظة؟ وما هي مصلحته من ذلك؟ ثم ما هي القوة التي يستند عليها الرجل كي يقف في وجه النظام الحاكم للبلد الذي لم يتجرأ أحد في الوقوف أمامه؟!!

 

 

 

مدير أمن المحافظة قام بالرفع المباشر والصريح وعبر مذكرة للمحافظ برقم (3083) أوضح من خلالها أن مدير المديرية متمنع ويرفض التوجيهات والأوامر الصريحة، وأن إدارة الأمن جاهزة للعمل بما يلزم، وأنها مستعدة لتنفيذ أية توجيهات، وضبط أي فرد أخل بالنظام العام وعطل المسار الحكومي.

 

وفي الأخير يتضح أن كل ذلك إهدار للمال والوقت، وأنها عبارة عن حبر على ورق كغيرها من التوجيهات المكدسة في أدراج المكاتب.

 

 

فهل ماتت القضية هناك؟

وما هذا العبث وكل تلك الفوضى؟

ومن يحكم بعدان؟

ولماذا تقف السلطة عاجزة عن حماية قراراتها وهيبتها؟

ومن المستفيد خلف كل ما يحدث؟

أجوبة تلك الأسئلة الواجمة ستجيب عليها قادم الأيام، وحتى نكن على موعدٍ مع ذلك اليوم، نحتفظ بملف القضية ورقياً والكترونياً حتى تبقى شاهدة على عصر انهيار المؤسسات، وضياع هيبة القرارات العليا وسيادة السلطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *